فصل: تفسير الآيات (107- 112):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (84- 85):

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)}
وقوله عز وجل: {وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ...} الآية: قوله: {بِخَيْرٍ}: قال ابن عباس: معناه: في رُخْصٍ من الأسعار، وقيل: قوله: {بِخَيْرٍ}: عامٌّ في جميع نِعَمِ اللَّه تعالَى، و{تَعْثَوْاْ}: معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال: عَثَا يَعْثُو، وَعَثَى يَعْثِي؛ إِذا فسد.

.تفسير الآيات (86- 94):

{بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)}
وقوله: {بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ}: قال ابن عباس: معناه: الذي يُبْقِي اللَّه لكُمْ من أموالكم بَعْد توفيتكم الكَيْلَ والوَزْن خيرٌ لكم مما تستكثرونَ به على غير وجْهه، وهذا تفسيرٌ يليق بلفظ الآية، وقال مجاهد: معناه: طاعةُ اللَّه، وهذا لا يعطيه لفْظُ الآية.
قال * ص *: وقرأ الحسنُ: {تَقِيَّةُ اللَّهِ}، أي: تقواه.
قال * ع *: وإِنما المعنى عندي: إِبقاءُ اللَّه علَيْكُم إِنْ أطعتم، وقولهم: {أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَآ}: قالت فرقة: أرادوا الصلواتِ المعروفةَ، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكْثَرَ الأنبياءِ صلاةً، وقال الحسنُ: لم يَبْعَث اللَّهُ نبيًّا إِلا فرض عَلَيْه الصَّلاة والزَّكَاة، وقيل: أرادوا: أدعواتُكَ، وذلك أنَّ من حَصَّل في رتبةٍ مِنْ خيرٍ أَو شَرٍّ، ففي الأكثر تَدْعُوه رتبته إِلى التزيُّد من ذلك النوْعِ، فمعنى هذا: لما كنْتَ مصلِّياً، تجاوزْتَ إِلى ذمِّ شرعنا وحالِنا، فكأن حاله من الصلاة جَسَّرته علَى ذلك، فقيل: أَمَرَتْه؛ كما قال تعالَى: {إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45].
قال * ص *: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ}: معطوفٌ على {مَا يَعْبُدُ}، و{أو} للتنويعِ، انتهى. وظاهر حالِهِمُ الذي أشاروا إِليه هو بَخْسُ الكيل والوَزْنِ الذي تقدَّم ذكره، وروي أن الإِشارة إِلى قَرْضِهِمْ الدِّينار والدِّرْهم، وإِجراء ذلك مع الصَّحِيح على جهة التدْلِيسِ؛ قاله محمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وتؤوَّل أيضاً بمعنى تبديلِ السِّكَك التي قصد بها أكْلُ أموالِ الناس، قال ابنُ العربيِّ: قال ابن المسيَّب: قطع الدنانير والدَّرَاهم مِنَ الفَسَاد في الأرْضِ؛ وكذلك قال زيد بن أسْلَمَ في هذه الآية، وفَسَّرها به، ومثله عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ من رواية مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ: وإِذا كان قَطْعُ الدنانير والدَّراهمِ وقَرْضُها من الفسَادِ، عُوقِبَ مَنْ فَعَلَ ذلك، وقَرْضُ الدراهم غَيْرُ كَسْرها؛ فإِن الكسر: فسادُ الوصفُ، والقَرْض: تنقيصٌ للقَدْر، وهو أَشَدُّ من كَسْرها، فهو كالسرقة. انتهى من الأحكام مختصراً، وبعضه بالمعنَى، وقولهم: {إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد}: قيل: إِنهم قالوه؛ على جهة الحقيقة، أي: أنت حليم رشيدٌ، فلا ينبغي لك أنْ تَنْهَانا عن هذه الأحوالِ، وقيل: إِنما قالوا هذا؛ على جهة الاستهزاء.
وقوله: {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا}: أي: سالماً من الفَسَادِ الذي أدْخَلْتُم في أمْوالكم، وجوابُ الشَّرْط الذي في قوله: {إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} محذوفٌ، تقديره: أَأَضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ، أو أتركُ تبليغَ رِسَالَةِ ربِّي، ونحو هذا.
وقوله: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}: معناه: لا يُكْسِبَنَّكُمْ، و{شِقَاقِي}: معناه: مُشَاقتي، وَعَدَاوَتِي و{أَنْ}: مفعولةٌ ب {يَجْرِمَنَّكُمْ}.
قال * ص، وع *: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ}: أي: بزمانٍ بعيدٍ، أو بمكانٍ.
قال * ص *: {وَدُودٌ} بناءُ مبالغةٍ مِنْ وَدَّ الشَّيْءَ، إِذا أَحَبَّه، وآثره.
* ع *: ومعناه: أن أفعاله سُبْحَانَهُ وَلُطْفه بعباده لَمَّا كَانَتْ في غاية الإِحْسَان إِليهمْ، كانَتْ كَفِعْلِ مَنْ يتودَّد وَيَوَدُّ المصنوعَ له، وقولُهم: {مَا نَفْقَهُ}: كقولِ قريشٍ: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} [فصلت: 5]، والظاهر من قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا}: أنهم أرادوا ضَعْفَ الانتصار والقُدْرة، وأنَّ رهطه الكَفَرة يُرَاعَوْنَ فيه، والرَّهْط: جماعةُ الرجُلِ، وقولهم: {لرجمناك} أي: بالحجارة؛ قاله ابن زَيْد، وقيل: بالسَّبِّ باللسان، وقولهم: {بِعَزِيزٍ}: أي: بذي منعةٍ وعزةٍ، ومنزلةٍ، والظِّهْرِيُّ: الشيءُ الذي يكونُ وراءَ الظهر، وذلك يكون في الكَلاَم على وجهين: إِما بمعنى الاطراح؛ كما تقولُ: جَعَلْتَ كلامِي وَرَاءَ ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ؛ كما قال عليه السلام: «وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ»؛ وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.
وقوله: {اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.
وقوله: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وارتقبوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: {إِنِّي عامل}.
وقوله سبحانه: {وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصيحة...} الآية: {الصيحة}: هي صَيْحَة جبريل عليه السلام.

.تفسير الآيات (95- 99):

{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)}
وقوله سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا...} الآية: {يَغْنَواْ}: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ؛ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير {فيها} عائد على الديار.
وقوله: {بُعْدًا}: مصدرٌ دعا به؛ كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ: {سلام عَلَيْكُمُ} [النحل: 32]؛ لأن {بُعْدًا} إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: {بَعِدَتْ}- بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور؛ ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]
لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ** سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]
يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ** وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا

وأما من قرأ: {بَعُدَتْ}، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.
قال * ص *: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى.
وقوله سبحانه: {فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ}: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.
وقال * ع *: {بِرَشِيدٍ}: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ {يَقْدُمُ قَوْمَهُ}: أي: يقدمهم إِلى النار، وال {الورد}، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.
قال * ص *: وال {الورد}: فاعلُ {بِئْسَ}، و{المورود}: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.
وجوَّز * ع *: وأبو البقاءِ أنْ يكونُ {المَوْرُود} صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، والوِرْد: يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.
{وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً}: يريد: دارَ الدنيا.
وقوله: {بِئْسَ الرفد المرفود} أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذابُ، والرِّفْدُ في كلام العرب: العطيَّة.

.تفسير الآيات (100- 106):

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)}
وقوله سبحانه: {ذلك مِنْ أَنْبَاءِ القرى...} الآية {ذلك}: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ}: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال {تَتْبِيبٍ}: الخُسْرَانُ؛ ومنه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1].
وقوله: {وكذلك}: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ ظالمة: أعمُّ من كافرة، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى؛ أن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه»، ثم قرأ: {وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظالمة...} الآية، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان؛ {إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً}: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة}، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: {ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس}، وهو يومُ الحَشْر، {وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون؛ من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ؛ في قول الجمهور، {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر.
قال * ص *: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: يأت: يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ نُؤَخِّره، والناصبُ ل يَوْم لا تَكَلَّمُ، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه. انتهى.
وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ}: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: {نَفْسٌ}، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ {فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: الزفير: من الصدر، والشهيق: من الحَلْق، والظاهر ما قال أبو العالية.

.تفسير الآيات (107- 112):

{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)}
وقوله سبحانه: {خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض}: يُرْوَى عن ابن عباس: أَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إِلى هناك في الآخرة، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل: معنى: {مَا دَامَتِ السموات والأرض}: العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول: لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا.
قال * ص *: وقيل: المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها؛ يدلُّ عليه قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض} [إبراهيم: 48] انتهى. وأما قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}: في الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدها: أنه متَّصل، أي: إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين؛ وعلَى هذا يكونُ قوله: {فَأَمَّا الذين شَقُواْ...} عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون الاستثناء من {خالدين}، وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ.
الثَّاني: أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام؛ فهو على نحو قوله: {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاءَ الله} [الفتح: 27].
الثالث: أَنَّ {إِلا} في هذه الآية بمعنى سوى، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب سِوَى وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب لكن، أيْ: سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك؛ ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، وقيل: سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل: الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل: الاستثناء؛ في الآية الأولى: من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا.
قال * ع *: وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً.
* ت *: وهذا هو الصوابُ- إِن شاء اللَّه- وهو تأويل صاحب العاقبة؛ أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في الأنعام: {خالدين فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128].
قال * ع *: والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال: هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم؛ فإِنه لا يترتَّب هنا، وال {مَجْذُوذٍ}: المقْطُوع، والإِشارة بقوله: {مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ} إِلى كفَّار العرب، {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} معناه: من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}: قال: ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى.
وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ}: أي: اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك.
وقال * ص *: {فيه}: الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل: في بمعنى على، أي: عليه، انتهى.
وال {كَلِمَةٌ}؛ هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: أي: لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر؛ بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب؛ تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله: {وَإِنَّ كُلاًّ}، وقرأ نافع وابن كثير: {وإِنْ كُلاًّ لَمَا} وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد {إِنَّ}، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد {إِنَّ}، وتشديد {لَمَّا}، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف {إِنَّ} فيهما على بابها، و{كُلاًّ}، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر {إِنَّ}، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب {ما}؛ هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية: أنَّ كل الخَلْقِ موفًّى في عَمَلَهُ.
وقوله عز وجل: {فاستقم كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ}: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوْمِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ؟ فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فاستقم كَمَا أُمِرْتَ}.
قال * ع *: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مِثْلَ ذلك شَيَّبه عليه السلام.